السيد محمد الصدر
616
تاريخ الغيبة الصغرى
المبرر الذي أعلنه النبي ( ص ) بين أصحابه حين اقترح عليهم التعرض لا بل قريش ، ذلك التعرض الذي أنتج واقعة بدر الكبرى . . . ليس أكثر من قوله ( ص ) : هذه عير قريش فيها أموالهم ، فأخرجوا إليها لعل اللّه ينفلكموها « 1 » . ولكن كانت من وراء هذه ( الثورة ) الاسلامية الأولى عدة أغراض ( قريبة ) وبعيدة ، نذكر منها اثنين أحدهما ( قريب ) والآخر ( تخطيطي ) . الهدف الأول : إثبات وجود الجماعة الاسلامية الجديدة وقوتها ، وتحطيم أطماع قريش بتحطيمها . . . الأمر الذي جعل لها الهيبة والأهمية الاجتماعية التي استطاعت بها أن تقوم بنشاطها على نطاق واسع وكامل لأول مرة . الهدف الثاني : البدء بتركيز الاسلام وترسيخه ليبقى مدى الدهر ليؤدي الدور الضخم الذي عرفناه للأطروحة العادلة الكاملة . . . في عصري التخطيط الثالث والرابع ، بل وما بعده إلى فناء البشرية . ان الخطوة المهمة في هذا التركيز كانت متمثلة بغزوة بدر الكبرى . وقل ذلك في كل الغزوات على الاطلاق بصفتها تتضمن تقوية الاسلام أحيانا والدفاع عنه أحيانا وتوسيع نطاقه أحيانا . . . وكلها مقدمات لاداء الدور الضخم الذي عرفناه . السؤال الثاني : لما ذا انحرفت الخلافة الاسلامية بعد عصر النبوة ، حتى أصبحت ( ملكا عضوضا ) وخرجت عن حقيقة مهمتها الاسلامية المخلصة متمثلة في الخلافة الأموية أولا والعباسية ثانيا ، والعثمانية ثالثا . فان الحديث عنها من هذه الناحية حديث مشترك . فإنها جميعا تتصف بالتفسخ الديني والانصراف إلى الملذات من ناحية ، أو المشاحنات الداخلية من ناحية أخرى . . . مما أوجب الهبوط بالمستوى الاسلامي هبوطا مروعا حتى أنتج زوال الخلافة عن مسرح المجتمع زوالا كاملا . فأي مصلحة تخطيطية اقتضت ذلك ؟ ! . . ينبغي أن يكون الجواب على ذلك مفهوما ، بعد كل الذي قلناه . . . حيث يمكن انطلاقه من زاويتين : الزاوية الأولى : عنصر الاختيار الممنوح للبشرية عموما بما فيهم أشخاص
--> ( 1 ) انظر : السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 258 . هذا وينبغي أن نضع المبرر الذي ذكره النبي ( ص ) في موضعه الاجتماعي والتاريخي الخاص ، من حيث إن الناس لم يكونوا ليستوعبوا هدفا أبعد من الحصول على المال ، ولعل الذكي منهم يلتفت إلى حصول القوة للجماعة من هذا المال .